عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
188
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم وزير العزيز بن المعتز العبيدي ، صاحب مصر ، قالوا : وكان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من أولاد هارون بن عمران ، أخي موسى صلوات الله عليهما وقيل بل يزعم أنه من ولد السموأل بن عاديا اليهودي ، صاحب الحصن المعروف بالأبلق ، القائل على ما ذكره بعضهم نسبة إليه : وما ضرنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل في أبيات له منها : إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يجمل على النفس ضمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل وكان يعقوب قد قدم به أبوه من بغداد إلى مصر ، وقد تعلم الكتاب والحساب ، فجعله كافور الأخشيدي على عمارة داره ، ثم لما رأى كافور نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه ، ولم يقبل سوى قوته ، فتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه ، فوقع في كل شيء ، وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه . كل هذا وهو على دينه ، ثم إنه أسلم يوم اثنين لثماني عشرة ليلة مضت من شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة ، ولزم الصلاة ودراسة القرآن ، ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن والنحو ، حافظاً الكتاب السير ، في مكان يبيت عندي ، ويصلي به ، ويقرأ عليه ، ولم يزل حاله يتزايد مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور ، وكان ابن الفرات وزير كافور يحسده ويعاديه . ولما مات كافور قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين ، وقبض على يعقوب في جملتهم ، ولم يزل يتوصل ويبذل المال حتى أفرج عنه . فلما خرج من الاعتقال توجه إلى بلاد المغرب ، فلقي جوهراً الخادم ، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها ، فرجع في صحبته ، وقيل بل استمر على قصده ، وانتهى إلى إفريقية ، وتعلق بخدمة المعز ، ثم رجع إلى الديار المصرية ، فلم يزل يترقى إلى أن تولى الوزارة للعزيز ، وعظمت منزلته ، ومهد قواعد الدولة . وكان يعقوب يحب أهل العلم ، ويجتمع عنده العلماء ، ويقرأ عنده مصنفاته في ليلة كل جمعة ، ويحضره القضاة والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة ، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح . وكان في داره قوم يتلون القرآن الكريم ، وآخرون يتلون الحديث والفقه والأدب حتى الطب ، وينصب كل يوم خواناً للخاصة وموائد عديدة لمن عداهم من أهل مجلسه . وكان يجلس كل يوم بعد صلاة الصبح ويعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات . وكان في خدمته قواد من جملتهم